صديق الحسيني القنوجي البخاري

438

فتح البيان في مقاصد القرآن

في سني الجوع ، ثم أجاب سبحانه عنهم فقال : لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ أي ليس لهم قدرة على خير ولا شر ، ولا على جلب نفع ولا دفع ضر في أمر من الأمور ، وذكر السماوات والأرض لقصد التعميم لكونهما ظرف الموجودات الخارجية . وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ أي ليس للآلهة في السماوات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا بالملك ولا بالتصرف وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ أي وما للّه سبحانه من تلك الآلهة من معين يعينه على شيء من أمور السماوات والأرض ومن فيهما ، بل هو المتفرد بالإيجاد فهو الذي يعبد ، وعبادة غيره محال . وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة والنبيين ونحوهم من أهل العلم والعمل ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلا لمن يستحق الشفاعة لا للكافرين ، ويجوز أن يكون المعنى : لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المتأهلين لها في حال من الأحوال إلا كائنة لمن أذن له أي لأجله وفي شأنه من المستحقين للشفاعة لهم لا من عداهم من غير المستحقين لها . قيل : والمراد بقوله لا تنفع الشفاعة أنها لا توجد أصلا إلا لمن أذن له ، وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحا بنفي ما هو غرضهم من وقوعها ، قرأ الجمهور : أَذِنَ بفتح الهمزة أي أذن له اللّه سبحانه لأن اسمه سبحانه مذكور قبل هذا ، وقرىء على البناء للمفعول ، والآذن هو اللّه سبحانه ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] وقوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] ، وهذا تكذيب لقولهم هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] ، ثم أخبر اللّه سبحانه عن خوف هؤلاء الشفعاء والمشفوع لهم فقال : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قرىء مبنيا للمفعول ، والفاعل هو اللّه سبحانه ، وقرىء مبنيا للفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى اللّه سبحانه ، وكلتا القراءتين بتشديد ، الزاي ، وفعل معناه السلب ، فالتفريغ إزالة الفزع وقرىء مخففا وقرىء : فرغ بالراء المهملة والغين المعجمة من الفراغ ، والمعنى فرغ اللّه قلوبكم أي كشف عنها الخوف ، وقرأ ابن مسعود رضي اللّه عنه افرنقع من الافرنقاع وهو التفرق قال قطرب معنى فزع أخرج ما فيها من الفزع وهو الخوف وقال مجاهد كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة وقال ابن عباس فزع جلى وهو التفرق والمعنى أن الشفاعة لا تكون من أحد من هؤلاء المعبودين من دون اللّه من الملائكة والأنبياء والأصنام كائنا من كان إلا أن يأذن اللّه سبحانه للملائكة والأنبياء ونحوهم في الشفاعة لمن يستحقها وهم على غاية الفزع من